ابن قيم الجوزية

118

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

من المتشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا ولشدة المشابهة قالوا هذا هو ( الحجة الثانية ) ما حكاه ابن جرير عنهم قال ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما كان حدثنا ابن بشار حدثنا بن مهدي حدثنا سفيان سمعت ابن مرة يحدث عن أبي عبيدة وذكر ثمر الجنة وقال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ( الحجة الثالثة ) قوله وأتوا به متشابها وهذا كالتعليل والسبب الموجب لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل ( الحجة الرابعة ) إن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها ورجحت طائفة منهم ابن جرير وغيره القول الآخر واحتجت بوجوه قال ابن جرير والذي يحقق صحة قول القائلين أن معنى ذلك هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا إن اللّه جل ثناؤه قال كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً يقولون هذا الذي رزقنا من قبل ولم يخصص أن ذلك من قيلهم في بعض دون بعض فإذا كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة فلا شك أن ذلك من قبلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه فمعلوم أنه محال أن يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة هذا الذي رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنة وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيرها هذا هو الذي رزقنا من قبل إلا أن يلسبهم ذو غية وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم اللّه منه أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم الأول رزق يرزقونه من ثمارها فيدفع صحة ما أوجب اللّه صحته من غير نصب دلالة على أن ذلك في حال من أحوالهم دون حال فقد تبين أن معنى الآية كلما رزقوا من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا . قلت أصحاب القول الأول يخصون هذا العام بما عدا الرزق الأول لدلالة العقل والسياق عليه وليس هذا ببدع من طريقة القرآن وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات ( أحدها ) أن كثيرا من ثمار الجنة وهي التي لا نظير لها في الدنيا لا يقال فيها ذلك ( الثاني ) أن كثيرا من أهلها لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنة ( الثالث ) إنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا هذا الذي رزقنا في الدنيا ويستمرون على هذا الكلام دائما إلى غير نهاية والقرآن العظيم لم